ابن أبي الحديد

342

شرح نهج البلاغة

حتى يبسط يده ولسانه ، وهم لا يمتنعون منه ، ولا يتجاسرون على رده عن أنفسهم ، بل يذعنون له ويقرون بذنوب لم يقترفوها ، استكفافا لعاديته وتسكينا لغضبة ، وهو في ذلك يستمر على طريقته لا يكف يدا ولا لسانا . وأصل هذا الخلق الذي ذكرناه أنه مركب من قوى مختلفة : من شدة القوة الغضبية ، فهي الحاملة لصاحب هذا الخلق على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة والجبه والقحة ، وقد رأينا وشاهدنا من تشتد القوة الغضبية فيه ، فيتجاوز الغضب على نوع الانسان إلى البهائم التي لا تعقل وإلى الأواني التي لا تحس ، وربما قام إلى الحمار وإلى البرذون فضربهما ولكمهما ، وربما كسر الآنية لشدة غضبه ، وربما عض القفل إذا تعسر عليه ، وربما كسر القلم إذا تعلقت به شعرة من الدواة واجتهد في إزالتها فلم تزل . ويحكى عن بعض ملوك اليونان المتقدمين : أنه كان يغضب على البحر إذا هاج واضطرب ، وتأخرت سفنه عن النفوذ فيه ، فيقسم بمعبوده ليطمنه وليطرحن الجبال فيه حتى يصير أرضا ، ويقف بنفسه على البحر ، ويهدده بذلك ، ويزجره زجرا عنيفا ، حتى تدر أوداجه ويشتد احمرار وجهه ، ومنهم من لا يسكن غضبه حتى يصب عليه ماء بارد أو حتى يبول ، ولهذا ورد في الشريعة الامر لمن اشتد غضبه أن يتوضأ للصلاة ويصلى . وكان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله لا يسكن غضبه ، حتى يعض يده عضا شديدا حتى يدميها . * * * وذكر الزبير بن بكار في الموفقيات أن سرية جاءت لعبد الرحمن أو لعبيد الله